الشيخ محمد علي طه الدرة

396

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله تعالى : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وتباح له الميتة ، فأمّا الإكراه ؛ فيبيح له ذلك إلى أن يزول ، وأما المخمصة ، فلا يخلو أن تكون دائمة ، فلا خلاف في جواز الشّبع منها . وإن كانت نادرة ؛ فاختلف فيها العلماء ، وللشّافعي فيها قولان : أحدهما : أنّه يأكل ما يسدّ به الرّمق ، وبه قال أبو حنيفة . والثاني : أنه يأكل قدر الشّبع . وبه قال مالك ، وهو المعتمد إن شاء اللّه ، وحديث العنبر نصّ في ذلك ، فإنّ أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد ، وكانوا في غزوة على ساحل البحر ، فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضّخم ، فلمّا أتوه ، فإذا هي دابة تدعى : العنبر ، فقال أبو عبيدة أميرهم - رضي اللّه عنه - : ميتة ، ثم قال : لا بل نحن رسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي سبيل اللّه ، وقد اضطررتم ، فكلوا ، قال : فأقمنا عليها شهرا ، ونحن ثلاثمئة ؛ حتى سمنّا ، فأكلوا ، وشبعوا رضوان اللّه عليهم مما اعتقدوا : أنّها ميتة ، وتزوّدوا منها إلى المدينة ، وذكروا ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخبرهم صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه حلال ، وقال : « هل معكم من لحمه شيء ، فتطعمونا ؟ » . فأرسلوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه فأكله ، فهو معجزة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكرامة لهم حيث لم ينتن . مسألة : إذا وجد المضطر ميتة ، وطعام الغير ، بحيث لا قطع فيه ، ولا أذى ، فإنه لا يحل له أكل الميتة ، بل يأكل طعام الغير بلا خلاف ؛ لحديث عبّاد بن شرحبيل الغزي - رضي اللّه عنه - قال : أصابنا عام مخمصة ، فأتيت المدينة ، فأتيت حائطا ، فأخذت سنبلا ، ففركته ، وأكلته ، وجعلت منه في كسائي ، فجاء صاحب الحائط ، فضربني ، وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخبرته . فقال للرّجل : « ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ، ولا علّمته إذ كان جاهلا » . فأمره ، فردّ إليه ثوبه ، وأمر له بوسق طعام ، أو نصف وسق . رواه ابن ماجة . وقال مسروق : من اضطر إلى طعام ، أو شراب ، فله أن يأكل ، ويشرب ، فإن لم يأكل ، ولم يشرب ، ثم مات ؛ دخل النار . وذكر التّرمذي عن يحيى بن سليم بن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر - رضي اللّه عنهم أجمعين - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من دخل حائطا ؛ فليأكل ، ولا يتّخذ خبئة » . قال أبو عبيد : قال أبو عمر : وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء . وروى أبو داود عن الحسن عن سمرة - رضي اللّه عنه - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أتى أحدكم على ماشية ، فإن كان فيها صاحبها ؛ فليستأذنه ، فإن أذن له ؛ فليحتلب ، ويشرب ، ولا يحمل » . غَيْرَ باغٍ : خارج على المسلمين ، و وَلا عادٍ معتد عليهم بقطع الطّريق ، فيدخل فيها قاطع الطريق ، الخارج على السّلطان بدون تأويل ، والمسافر في قطع الرحم ، وقصد السّرقة ، وإيذاء الناس ، وما شاكله من الأمور غير المباحة ، وهذا قاله مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما ، وبه قال المفسّرون من أئمة الشّافعية . وقال قتادة ، والحسن ، والرّبيع ، وابن زيد ،